تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

114 رقم خدمة أمنية للأشخاص ذوي الإعاقة

2018-03-23

 

114 رقم خدمة أمنية للأشخاص ذوي الإعاقة

رجل أصم.. يتصل على مرتب الأمن العام على الرقم 114، لتتحول شاشة الهاتف إلى مكالمة فيديو يتحدث بها الطرفان بلغة الإشارة. الرجل يريد أن يقول إن سيارة أغلقت عليه الطريق وهو بحاجة إلى التنقل، ليقوم رجل الأمن في غرفة القيادة والسيطرة بالاستفسار عن السيارة وحل مشكلته خلال دقائق.

واحد آخر، يريد أن يُخبر أنه في تاكسي، وينوي التوجه إلى مكان ما، ولكن سائق التاكسي لم يعرف أين وجهته. فكان الاتصال بالرقم 114 هو الحل بعد أن تواصل رجل الأمن مع سائق التاكسي. فيما شعر بصعوبة في التواصل مع موظف في دائرة حكومية، والموظف لم يفهم مبتغاه، ليكون ذلك الخط هو الحل، كما حصل مع سيدة أخرى تريد الإبلاغ عن حاجتها لسيارة إسعاف لنقل حالة مرضية، فكان التواصل مع رجل الأمن في هذه الخدمة هو المنقذ والفاصل.

تلك القصص، وغيرها كانت من داخل غرفة عمليات القيادة والسيطرة في مديرية الأمن العام؛ حيث اطلعت “الغد” على الكيفية التي يتم فيها استقبال تلك المكالمات التي ترد من أشخاص “صم وبكم” أو حتى من أشخاص ناطقين، ويريدون إيصال أحد الأشخاص الصم بمتلقي الاتصال من مرتبات الأمن العام العاملين في هذا القسم، والذين يتميزون بقدرة كبيرة على إدارة الأمور والإتقان في فهم واستيعاب الرسالة التي يتم تلقيها.

وتمر يومياً على هذا القسم، العديد من القضايا والقصص التي تتسم بالخصوصية والسرية لبعض الأشخاص ويتم حلها، ليلتقي الجانب الإنساني والأمني بما ينعكس على المجتمع الأردني؛ حيث كان لزاماً أن يتم توفير خدمات تراعي حاجة فئة معينة من المجتمع، كما في “الصم والبكم” غير القادرين على التواصل مع المجتمع بشكل طبيعي، ولديهم الحاجة والرغبة في توفير بيئة آمنة لهم للتواصل مع الجهات المختصة في حال حدوث طارئ معهم.

خط “114” الذي انطلق في الربع الثالث من العام 2014، والذي يوازي في خدماته 911، ما يزال يُطبق على فئة الصم والبكم، الذين يتواصلون بلغة الإشارة، مما يسهم في توفير خدمة تلقي الشكاوى والمساعدة بمختلف أشكالها منهم في حال حدوث أي طارئ معهم، فهم بطبيعة الحال بحاجة إلى دعم ورعاية خاصة، وإلى أشخاص يفهمون لغتهم ولديهم القدرة على مساعدتهم.

وهو ما حرصت عليه مديرية الأمن العام، بالتعاون مع المجلس الأعلى لشؤون المعوقين، كما صرح بذلك مدير القيادة والسيطرة العقيد رامي الدباس، الذي بين لـ”الغد” أن مديرية الأمن العام حرصت على التعريف بهذه الخدمة، من خلال جهات عدة، من إقامة ورشات عمل إرشادية للتعريف على الخدمة، والتواصل مع الجهات الإعلامية للإعلان والتعريف بها، على أمل أن يتحول هذا الأمر إلى ثقافة مجتمع تطلع من خلالها إلى ترسيخ الاطمئنان والأمان الذي يجب أن يطال الجميع، ومنهم فئة الصم.

وفي العام 2016، تلقت مديرية القيادة والسيطرة 488 مكالمة أو بلاغا متنوعا، من خلال خط 114، وقد تعددت البلاغات بمحتواها، فمنها تبليغ عن حوادث سير، مساعدات إنسانية مفتوحه بأشكالها كافة، التبلبغ عن حوادث السير، معاملات استشارية سواء خلال تواجدهم في الدوائر الحكومية أو مستشفيات، والكثير مما قد يحتاجه الشخص الأصم بدون وجود مساعد له، ليكون رجل الأمن هو المعاون له في مثل تلك الحالات.

الملازم أول مروان فريحات، المسؤول عن تلقي المكالمات وتدريب الأفراد على لغة الإشارة، ليكونوا على أتم الاستعداد، يذهب إلى أن العاملين على هذا الخط تلقوا التدريب المكثف من أفضل مدربي لغة الإشارة على مستوى الوطن العربي.

ويقول فريحات إنه ومنذ إنطلاق الخدمة يتم تلقي العديد من المكالمات، وأغلبها لطلب خدمة وتوضيح، يصب جلها في الطابع الإنساني والأمني وحوادث السير والتبليغ عن الحوادث الأمنية والشكاوى في بعضها. بيد أن أفراد الأمن العاملين في هذا القطاع أصبحوا على استعداد تام ليكونوا اللسان الناطق للمتصلين، لربطهم مع العالم الخارجي في الكثير من تفاصيل الحياة اليومية.

خدمة 114 في مديرية الأمن العام، كانت قد حازت على المركز الأول في مؤتمر جنيف من بين 98 دولة قدمت مشاريع أمنية خدمية في التوجه ذاته، إلا أن الأردن كانت السباقة في ذلك؛ إذ بين فريحات أن هنالك ستة عاملين في هذه الخدمة حاصلون على رخصة مزاولة المهنة في لغة الإشارة للصم والبكم، من ضمن 35 في المملكة. وهذا يعكس مدى حرص مديرية الأمن العام على أن يكونوا جزءا من المجتمع الإنساني، فهناك ما يقارب 30 ألف شخص أصم في المملكة، وبحاجة إلى من يوصلهم بالعالم المحيط، ويفهم أدق تفاصيلهم ويعلم ما يريدون.

ويذهب فريحات الى أن الشخص الأصم لديه ضعف في قدرته على توصيل فكرته، ومع حدوث طارئ لديه، فإنه يصبح مشوشاً ومتوتراً لكونه يعلم مسبقاً بأنه قد لا يجد من يحتويه، لذلك حرصت إدارة القيادة والسيطرة على أن يكون العامل في هذا المجال يتمتع بشخصية قادرة على استيعاب الموقف وامتصاص خوف وتوتر المتصل من الصم، والبديهية السريعة في فهم ما يريد خلال ثوان، فهو في نهاية الأمر لم يتصل إلا لأمر طارئ.

ويشدد فريحات، من خلال عمله في هذا المجال، على أهمية أن يكون جميع الأفراد سواء من ذوي الصم والبكم، أو الناطقين، لديهم التوجه الدائم لاستخدام 114 كحل للعديد من المعوقات التي قد تحدث، فقد يكون الشخص الأصم لا يملك هاتفاً أو ليست لديه القدرة على الوصول لرجل الأمن، فيجب أن يكون التواصل من خلال 114 خياراً لأفراد المجتمع، بدون الحاجة لأن يكون متمرساً بلغة الإشارة، لأنها في الواقع لغة صعبة وبحاجة إلى دراية كاملة بها، وهذا يولد لدى الطرفين الشعور بالطمأنينة.

رائد عثمان، وهو شخص أصم، أحد المستفيدين من خدمة 114، يؤكد أن تواصله مع رجال الأمن العام في الكثير من المواقف التي مرّ بها كان سبباً في حل مشاكله اليومية التي يحتاج فيها إلى معاون ومساعد له في يومياته، فهو لا يتوانى عن الاتصال مع أفراد الأمن؛ إذ إن مكالمة الفيديو أصبحت طريقته في الاستفسار والتبليغ، بعد أن كان في السابق يجد صعوبة في التواصل معهم، شاكرا مديرية الأمن العام على سرعة تجاوبهم معه ومع أقرانه عند الحاجة للتبليغ.

ويبين رائد، من خلال مكالمته التي قام بترجمتها فريحات، أنه يفتخر كثيراً أمام أصدقائه من الدول الأخرى، بما يتلقاه من خدمات، فهذه الخدمة غير متوفرة عند أغلب الدول في العالم، والأردن هي السباقة في ذلك، ويقول “انبهر أصدقائي عند معرفتهم بهذه الخدمة وكيف أن المؤسسات الأمنية لدينا تطبق حقوق الإنسان في أبهى صورها، وبخاصة حقوق ذوي الإعاقة”.

وفي رسالته للمجتمع الأردني، يقول رائد إنه يشكر الأمن العام ووسائل الإعلام على تبنيها لهذه الخدمة ومحاولة تعريف أفراد المجتمع بها لتكون جزءا من ثقافتنا وممارستنا اليومية في خدمة أفراد المجتمع الذين قد يعانون من مشاكل تقف عائقاً بينهم وبين التعبير عن حاجتهم.

مؤسس مبادرة “الصمت حياة” الخاصة بذوي الصم، عبد المجيد الحجوج، قال لـ”الغد” إنه فخور بوجود مثل تلك المبادرات الأمنية التي تنقذ حالات يمكن أن تتعرض لمواقف صعبة قد يستهين بها الآخرون، ولكنها تكون عصيبة على ذوي الإعاقة ويحتاجون إلى من يفهمهم.

ويطالب الحجوج من كل شخص أصم أن يوفر لنفسه هاتفا ذكيا تتوفر فيه هذه الخدمة، مثمنا هذه الخطوة التي تعبر عن مدى اهتمام الجهات الأمنية بفئات المجتمع كافة ومن ضمنها ذوو الإعاقة السمعية واضطرابات النطق.

وتجدر الإشارة إلى أن مثل هذه الخدمات الإنسانية في أغلبها تأتي متوائمة مع الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة وصادقت عليها الحكومة الأردنية العام 2008، علاوةً على ما جاء بالقانون الأردني الخاص بالأشخاص ذوي الإعاقة بتيسير سبل وفرص الوصول للأشخاص ذوي الإعاقة.