تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ضبابية توزيع الأدوار والمسؤوليات في مجال الإعاقة

2019-02-25

ضبابية توزيع الأدوار والمسؤوليات في مجال الإعاقة

بقلم مرعد بن رعد بن زيد الحسين

    منذ عقود وقضية الإعاقة تعاني من التعاطي معها بمنظور خيري رعائي يجعل من الحق مجرد خدمة ومن الخدمة مجرد حاجة وقتية يمكن تلبيتها وسدها بشكل فردي وشخصي بعيداً عن الاستدامة والمأسسة.

لقد أدركت دول العالم منذ مطلع الثمانينيات أن الأشخاص ذوي الإعاقة يتماثلون مع غيرهم في الحقوق ويختلفون عنهم في وسائل التمتع بتلك الحقوق، وأن هذا الاختلاف في وسائل ممارسة الحق لا يمكنه أن يغير في جوهره أو أن يكون مبرراً للتمييز أو الإقصاء اتجاه الأشخاص ذوي الإعاقة.

يقوم المنظور الحقوقي للتعاطي مع قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة على مبادئ المساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص والدمج وغيرها من مرتكزات حقوق الإنسان المتعارف عليها والتي لا يختلف حولها اثنان، إلا أن هذا التوجه وعلى الرغم من انتشاره وتجذره في دول العالم المتقدم؛ لا يزال يلقى مقاومةً شديدةً في دول العالم النامي وبصفة خاصة في دول منطقتنا.

لقد أدى غياب التوجه الحقوقي عن حلبة الإعاقة في الأردن إلى تعامل الجهات التنفيذية بل وعموم أفراد ومؤسسات المجتمع مع قضية الإعاقة بوصفها موضوعاً خيرياً مبعثه الشفقة والإحسان، الأمر الذي حصر مسؤولية حمل هذا الملف في جهات بعينها على رأسها منظمات المجتمع المدني في القطاع الأهلي ووزارة التنمية الاجتماعية في الجانب الحكومي. وقد بقي الوضع يسير على هذا النحو إلى أن تم إصدار قانون "حقوق الأشخاص المعوقين" رقم 31 لسنة 2007 الذي تأسس بموجبه المجلس الأعلى ل"شؤون الأشخاص المعوقين"، حيث اتجهت الأنظار في حينه إلى هذا المجلس الناشئ من المعنيين كافة ومن المنظور الخيري الرعائي ذاته، لتتبلور توقعات خارقة تفوق حجم المجلس وإمكانياته المحدودة، حيث تم تحميل المجلس خلال العقد المنصرم مسؤولية تقديم حزمة من الخدمات المباشرة لسد الثغرات الناجمة عن عدم وضوح الأدوار وتوزيع المسؤوليات بين الجهات التنفيذية المختلفة، الأمر الذي أدى إلى انشغال المجلس مرغماً عن دوره الرئيس المتمثل في رسم السياسات واقتراح التشريعات وتقديم الدعم الفني للوزارات والهيءات التنفيذية للقيام بدورها والاضطلاع بمسؤولياتها، وذلك كله لتعويض النقص الواقعي في مجال الخدمات الرئيسية للأشخاص ذوي الإعاقة.

ولا نخفي سراً إذ نقول أن بعض الجهات ربما استعذبت تواريها عن المشهد وتصدر المجلس له بوصفه مقدم الخدمات الأول في هذا القطاع، الأمر الذي أدى إلى عدم تفعيل مبدأ المسائلة للجهات التنفيذية بحسب ولايتها واختصاصها، فبات المجلس بقدراته وإمكانياته المحدودة المسؤول عن الحق في التعليم والعمل والصحة والتأهيل والمشاركة السياسية وغيرها من الحقوق التي هي أصلاً من اختصاص الوزارات والجهات التنفيذية بكامل هيأتها.

مع صدور قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الجديد رقم 20 لسنة 2017، تم إعادة الأمور إلى نصابها بحيث ألزم القانون كل جهة بدورها ومسؤولياتها وفقاً لولايتها واختصاصها، حيث أصبح الحق في التعليم لوزارة التربية والتعليم والحق في العمل لوزارة العمل وديوان الخدمة المدنية والحق في الصحة لوزارة الصحة وهكذا، أما المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، فإنه ملتزم بمسار رسم السياسات وتقديم المساندة الفنية والمعرفية للجهات التنفيذية، هذا فضلاً عن  كونه آلية المتابعة الحكومية لمدى التزام الجهات ذات العلاقة بإنفاذ وتطبيق أحكام قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

   إننا ندرك أن البعض لا يرى في رسم السياسات واقتراح التشريعات عملاً ذا قيمة كبيرة، وأن سد الاحتياج الآني بالنسبة له هو الأولوية التي ينبغي التعامل معها بشكل فوري. والواقع أن غياب التفكير والتخطيط الاستراتيجي عن حلبة الإعاقة هو الذي أدى إلى التعامل مع ملفاتها بشكل عشوائي فردي وبمفهوم الفزعة التي لا تحل مشكلةً ولا تغير الواقع إلى الأفضل.

إن أول خطوات الحل السديد وتحصيل الحقوق في مجال الإعاقة؛ يتمثل في إدراك كل جهة لطبيعة دورها ومسؤولياتها وأخذ زمام المبادرة للقيام بذلك الدور وتلك المسؤوليات، وفي الاتجاه نفسه، فإنه من بديهيات كسب التأييد والمدافعة الفعالة؛ معرفة المعنيين وتحديدهم للجهة التي ينبغي مطالبتها ومساءلتها حسب ولايتها واختصاصها، والقول بعكس ذلك يشبه طرق الباب الخاطئ حيث لا مجيب. وإننا إذ نقول ذلك، فإننا نؤكد على أن المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة هو من الجهات الرئيسية التي يجب متابعة تقييم أدائها ومحاسبتها لكن في ما يتعلق بمسؤولياته ودوره الذي رسمه القانون ونص عليه بشكل واضح، فإذا كان هناك تقصير في رسم السياسات أو المشاركة في وضع الخطط وتصميم البرامج مع الجهات التنفيذية المختلفة وإذا كان هناك تقصير في الرصد والمتابعة، فإن المجلس مسؤول وعليه تصويب أوجه النقص التي تعتري أداؤه، أما مسائلة المجلس عن عدم معالجة مشكلات البطالة وضعف الخدمات الصحية المتخصصة وعدم تهيئة المدارس وغياب إمكانية الوصول عن المرافق والخدمات العامة... ومطالبته بتوفير ذلك كله، فهو تكليف بمستحيل لأن هذه المهام وغيرها هي مهام متقاطعة مع الجهات التنفيذية كافةً بما لديها من كوادر بشرية وموارد مالية وفنية.

   إنّ نظرةً سريعةً إلى الخلف تظهر مدى التقدم الذي يتم إحرازه في مجال الإعاقة على مختلف الأصعدة، مع إدراكنا أن التطور في هذا المجال يتطلب صبراً ومثابرةً لأنه يتعلق بتغيير الفكر والثقافة والعوامل البيئية المادية والسلوكية المحيطة.